السيد محمد حسين فضل الله

48

من وحي القرآن

منهم . ومن هنا يظهر أن الأمر كان أمرا امتحانيا نظير ما وقع في قصة رؤيا إبراهيم عليه السّلام وذبح إسماعيل : أَنْ يا إِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [ الصافات : 104 - 105 ] ، فقد ذكر موسى عليه السّلام : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ وأمضى اللّه سبحانه قوله عليه السّلام ، وجعل قتل البعض قتلا للكل وأنزل التوبة بقوله : فَتابَ عَلَيْكُمْ « 1 » . ونلاحظ على هذا الرأي ، أن هناك فرقا بين الأمر الصادر لإبراهيم وإسماعيل الذي لم يكن منطلقا من إرادة جدية في تحقيق الفعل ، بل كان وسيلة من وسائل إظهار عمق الإسلام الروحي والعملي في موقف إبراهيم وإسماعيل ، الأمر الذي لا علاقة له بالفعل بل بمقدماته ؛ وبين الأمر الصادر لهؤلاء الذي كان في أقصى درجات الجدية ، ولذلك أريد له أن يتحول إلى واقع امتثالي ، غير أن اللّه سبحانه اكتفى بما حصل من القتل وعفا عن الباقين الذين لم يمتثلوا ذلك ، فأسقط التكليف عنهم باعتبار أن المقصود هو التوبة المنطلقة من الإسلام الروحي ، المنضمة إلى الفعل ، ولا معنى لأن يكون الأمر امتحانيا بالنسبة إلى الباقين الذين لم يقتلوا أنفسهم ، لأن الأمر لم يصدر إليهم بخصوصياتهم ليتميز أمرهم عن أمر غيرهم ، ولعلنا نستفيد من الآية السابقة ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أن هناك عفوا عن الجريمة . الارتباط اللاواعي من خلال هذه الآيات المتقدمة نستطيع استيحاء موقف يرى أن قوم موسى لم ينطلقوا معه من موقع الإيمان برسالته والوعي لمفاهيمها التي تفرض

--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 1 ، ص : 189 .